صادق البرلمان الجزائري، اليوم، على قانون يجرّم الاستعمار، في خطوة اعتُبرت تحوّلًا بارزًا في تعاطي الجزائر مع ملف الذاكرة الوطنية، ورسالة سياسية وقانونية واضحة في مواجهة تشريعات فرنسية سابقة وُصفت بأنها تبرّر أو تمجّد الحقبة الاستعمارية
ويأتي اعتماد هذا القانون في ظل توترات متكررة بين الجزائر وباريس، حيث ظل ملف الذاكرة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في العلاقات الثنائية، رغم محاولات متتالية لإعادة تطبيعها خلال السنوات الأخيرة. ولا يكتفي النص الجديد بالإدانة الرمزية، بل ينص على تجريم كل أشكال الترويج أو التبرير أو تمجيد الاستعمار، سواء في الخطاب السياسي أو الإعلامي أو الثقافي، مع التأكيد على أن الجرائم الاستعمارية لا تسقط بالتقادم
كما يمنح القانون الدولة الجزائرية إطارًا قانونيًا يمكن الاستناد إليه في التوجه نحو الهيئات القضائية الدولية، من أجل المطالبة بالاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، وفتح ملف التعويض عن الأضرار البشرية والمادية التي خلّفها الاحتلال
وخلال جلسة التصويت، وصف رئيس لجنة الذاكرة بالبرلمان، أحسن زغيدي، هذا الحدث بـ“المحطة التاريخية”، معتبرًا أن القانون يمثل ردًا برلمانيًا صادرًا عن جيل الاستقلال، ورسالة صريحة لكل من يسعى إلى تبرير أو تلميع الاستعمار. وأكد أن الخطوة تعكس إرادة سياسية عليا، وتبرهن على أن مبادئ ثورة نوفمبر ما تزال حاضرة في مؤسسات الدولة، داعيًا برلمانات إفريقية وعربية ودول الكاريبي إلى تبني مسارات مماثلة.
ويرى متابعون أن هذا القانون ينقل ملف الذاكرة من دائرة السجال السياسي إلى ميدان الفعل القانوني، وهو ما قد ينعكس مباشرة على مستقبل العلاقات الجزائرية–الفرنسية، التي تشهد في الفترة الأخيرة حالة من التذبذب وعدم الاستقرار.
في المقابل، تؤكد الجزائر أن معالجة الماضي الاستعماري تظل شرطًا أساسيًا لبناء علاقات متوازنة قائمة على الاعتراف وتحمل المسؤولية، معتبرة أن أي مصالحة تاريخية حقيقية لا يمكن أن تتحقق دون مساءلة قانونية واضحة.
وبإقرار هذا القانون، تدخل الجزائر مرحلة جديدة في إدارة ملف الذاكرة، قوامها الانتقال من الخطاب إلى التشريع، ومن المطالبة السياسية إلى التحرك القانوني، في مسار ترى أنه لن يُغلق إلا بتحقيق الاعتراف والإنصاف التاريخي