
غوته والعربيّة والإسلام:
*يوهان فولفجانغ فون غوته بالألمانيّة: »Johann Wolfgang Von Goethe ».
(28أغسطس1749م-22مارس1832م).
هو أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميّزين،والّذي ترك إرثا أدبيّا وثقافيّا ضخمًا للمكتبة الألمانيّة والعالميّة،ويعدّ رابع عظماء الشّعر والأدب الغربيّ،بعد الإغريقيّ »هوميروس »،والإيطاليّ »دانتي »،والبريطانيّ »شكسبير ».
ومايزال التّاريخ الأدبيّ يتذكّره بأعماله الخالدة الّتي مازالت أرفف المكتباتِ في العالم تقتنيها كواحدة من ثرواتها.
ولد »غوته »في 28أغُسْطس1749م بمدينة *فرانكفورت*بألمانيا،كان والداه ميسوري الحال،ورغم هذا عَمِلا جاهدين من أجل أن يحصل ابنهما على قدر وافر من العلم،وكان والده يرجو أن يتبوّأ ولده مناصب عالية في الدّول،وبالفعل حقّق « غوته »أملهما،فتدرّج في مراحل التّعليم حتّى درس المحاماة،إلاّ أنّ ميوله العارمة كانت للشّعر والأدب فكان متأمّلا للأشياء من حوله واصفا لها في جمل رقيقة معبّرة.
- ولم يكن « غوته » مجرّد شاعرٍ يسجّل خواطره وأفكاره من خلال قصائده الشّعريّة وكتبه الأدبيّة،بل مال إلى التّبحّر في دراسة الفنون والعلوم المختلفة مثل:الرّسم والرّياضة والشّعر والموسيقى والتّصوير،كما درس النّبات والطّبّ والهندسة والحقوق والسّياسة.

وعكف »غوته »على تعلّم اللّغات من مثل اللاّتينيّة،اليونانيّة،الإيطاليّة،الفرنسيّة،الإنجليزيّة والعبريّة.كما سعى نحو التّعرّف على آدابٍ وثقافاتٍ أخرى كالأدب الصّينيّ،والفارسيّ،والعربيّ،إضافة إلى تعمّقه في الفكر الإسلامي…زد على ذلك اطّلاعه على كتب النّحو والصّرف متلهّفا وساعيا نحو المعرفة،كلّ هذه الأمور أهّلته لأن يكون شاعرا متمكّنا واسع الثّقافة مطّلعا على عديدٍ من العلومِ.
في عام 1765م وفي سنّ السّادسة عشر إلتحق « غوته » بكلّية الحقوق جامعة »ليبسك »،ولم يحقّق بها نجاحا كبيرا،فقد كان الأدب عشقه الأوّل،ورغم ذلك أكمل دراسته.
وأثناء وجوده في هذه الجامعة نظم « غوته »مجموعة من الرّوايات الأدبيّة والقصائد من أهمّها المأساة الموسومة ب »مزاج المحبّين »ومأساة « الشّركاء في الجريمة »عرض فيها العادات السّيّئة المنتشرة في الأسر بمدينة »ليبسك ».وفي عام 1767م نشر مجموعة من أشعاره بعنوان »آنيت ».
في عام1768م ،عاد « غوته » إلى فرانكفورتتاركا جامعة « ليبسك »لأسباب مرضيّة وحتّى قبل أن يكمل مشواره الدّراسيّ…لكنّ »غوته »رغم لزومه الفراش استغلّ ذلك للإطّلاع على كتب الفلسفة والسّحر والتّنجيم والكيمياء.
بعد مدّة من الزّمن استردّ »غوته »عافيته وذهب إلى جامعة »ستراسبورج »من أجل إكمال تعليمه في الحقوق.وأثناء تواجده فيها جمع المادّة اللاّزمة لكتابة روايته »جوتس فون برليخنجن ».
في عام 1771م حصل »غوته »على إجازته في القانون،وعاد مرّة أخرى إلى مسقط رأسه ليمارس مهنة المحاماة،وبعد ذلك انتقل إلى « فتزلار »وهي مقرّ المحاكم الإمبراطوريّة ومحكمة الإستئناف العليا،حتّى يتمرّن على أعمال المحاماة،أين تعرّف على كثير من القضاة ورجال السّلطة،وتوطّدت صلته بهم.
وكانت الفترة الواقعة بين 1771م و1775م فترةً هامّةً في تاريخ « غوته »الأدبيّ،حيث أنتج بها رواياته منها: »جوتس،كلافيجو،آلام فرتر،ستيلا،جوتر،واروين »وغيرها كثير،ممّا جعله يرتقي سريعا بين الأدباء الألمان،بل تجاوزت شهرته حدود ألمانيا.
ولم تمرّ هذه الفترة في حياة « غوته »دون أن يقدّم بها أعمالا أدبيّة مميّزة،فقدّم العديد من الرّوايات والّتي قدّم بعضا منها على مسرح »فيمار »،وكانت من ضمنها رواية »إنتصار العواطف ».
في عام 1786م سافر « غوته »إلى إيطاليا لمدّة تزيد عن عام ونصف،كانت رحلته بمثابة راحة واستجمام انبهر فيها بسحر وجمال إيطاليا،تعمّق في حضارتها وسحرها وقام بإبداع عدد من أجود وأفضل رواياته التّمثيليّة مثل: »أفيجينيا،إيجمونت،ناسو ».

*إفتتانه باللّغة العربيّة وأشعارها،ومعلّقاتها،وأدبها:
تأثّر « غوته »وانبهر بروعة اللّغة العربيّة،وممّا قاله في وصفها: »ربّما لم يحدث في أيِّ لغةٍ هذا القدر من الانسجام بين الرّوح والكلمة والخطّ مثلما حدث في اللّغة العربيّة،وإنّه تناسق غريبٌ في ظلّ جسدٍ واحدٍ ».فانفتح على إبداعات الشّعر العربيِّ « ديوان العرب »،حيث تعلّق كثيرا بالمعلّقات: »إنّها كنوز طاغية الجمال…ظهرت قبل الرّسالة المحمّديّة،ممّا يعطي الإنطباع بأنّ القُرشيّين كانوا أصحاب ثقافة عالية،وهم القبيلة الّتي خرج منها النّبيّ محمّد ».
وقام بترجمة عدد منها إلى اللّغة الألمانيّة عام 1783م بمساعدة معلّمه »هيردر »،كما قرأ لكثير من شعراء الجاهليّة مثل:(امرئُ القيس،طَرْفَة بن العبد،زُهير بن أبي سُلمَى،عنتره بن شدّاد،وأيضا عَمرو بن كلثوم،ووقف مليّا أمام ما بُثَّ في ثنايا شعرنا العربيّ من قيمٍ،وبخاصّة العزّة والكرامة والحرّية والشّجاعة والشّرف..إلخ.كما قرأ « غوته »لبعض الشّعراء المسلمين فيذكر في قصائد »الدّيوان »أسماء »جميل بثينة »و »مجنون ليلى » و »المتنبّي »،وقام بإدراج بعض من ملامح أشعاره في روايته « فاوست »ولم يكتف »غوته »بهذا كلّه بل قرأ في النّحو والصّرف،حتّى أنّه وُجِدت مخطوطات حاول فيها هذا المفكّر محاكاة وتقليد الخطّ العربيِّ،وجماليّاته.
لقد كانت لحكايات « ألفُ ليلةٍ وليلة »وقعها الخاصّ على المجتمعات الأوروبيّة،وشعرائها وأدبائها،ومنهم »غوته »،فكثيرا ما لجأ إليها متلمّسا فيها العبق العربيّ الأصيل المتمَثَّلِ في العالم العربيِّ غير المتجسّد ،بكلّ ما فيه من بساطة ورشاقة ووضوح ».

وما يؤكّد رغبة « غوته » في إضفاء الرّوح العربيّة على أعماله،استخدامه لكلمة « ديوان »وهي كلمة عربيّة ذاتُ أصلٍ فارسيٍّ،وغيرُ شائعةِ الاِستخدامِ في اللّغة الألمانيّةِ.

*غوته والإسلام:
إنّ تأثّر « غوته » البالغ بالإسلام والقرآن الكريم،وبسيرة الرّسول *صلّى الله عليه وسلّمظاهرة من أكثر الظّواهر مَدعاةً للدّهشة في حياة الشّاعر،فقد وصف القرآن بأنّه: »كتاب الكتب…أيُّها القرآن الكريم،أيَّتها الطّمأنينة الخالدة ».فكانت معرفته به من أوثق معارفه. كما وصف الرّسول صلّى الله عليه وسلّمكونه هاديا للبشر بأنّه: »النّهر العظيم الّذي يتدفّق رفيقا هادئا،تجري معه الجداول والسّواقي في طريقه إلى البحر ». بل إنّ الدّهشة لتزداد عندما نقرأ العبارة الّتي كتبها في إعلانه عن صدور »الدّيوان الشّرقيّ »(1814م-1820م)وقال فيها إنّه: »لا يُكره أن يقال عنه إنّه مسلم ». ولقد كانت للقاءات « غوته » مع عديدٍ من المستشرقين والمفكّرين الغربيّين وما صدر عنهم من مؤلّفاتٍ من مثلِ: »التّرجمة الألمانيّة لمعاني القرآن الكريم »ل:ديفيد فريدريش ميجيرلين*عام 1771م…أمرًا أضاف إلى رصيد محبّته للقرآن…أيضا احتكاكه بالمسلمين إثر تعرّفه على مجموعة من الضّبّاط البكشيك المسلمين الّذين قدِموا إلى « فايمر »عام 1813م،ضاعف من حبّه لما قرأه،حيث وصفهم قائلا: »لديهم هيبة خاصّة » و »هم ضيوف أحبّاء ».
*تأثّره الشّديد بالقرآن الكريم:
من أكثر ما تأثّر به « غوته » {الدّعاء} في الآيات الكريمات – بعد بسم الله الرّحمن الرّحيم-: »قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي،وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي،واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي »(سورة:طه/الآية:25-28).
وكان « غوته » في كثير من مؤلّفاته يدوّن بخَطّ يده آياتٍ كريماتٍ تشير صراحة إلى النّبيِّ محمّدٍ مثل قوله تعالى-بعد بسم الله الرّحمن الرّحيم-: »وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُلُ…. »(سورة:آل عمران/الآية:144).
ومن أكثر ما لفت انتباه « غوته »جوهر الإسلام وحقيقته ب »الإستسلام »لله تعالى،وعقيدة التّوحيد الّتي تدعو إلى الإنقياد لله الواحد،وتحرّر الإنسان من كلّ صنوف العبوديّة.

ويؤكّد « غوته » أنّ النّور والحكمة لم يبدآ إلاّ بالإسلام،وأنّ القرآن الكريم يتّفق مع مضمونه وعرضه:محكم وسام ويثير الدّهشة.
لله المشرق،لله المغرب،الأراضي الشّماليّة والجنوبيّة ترتاح في سكينة يديه،هو العادل الأوحد،يحبّ الخير لكلّ إنسان،فليكن من بين أسمائه المائة هذا الإسم المجيد: »أمين ».
وما يؤكّد عمق فهم « غوته » لأساس الإيمان وتشبّعه بمعاني القرآن الكريم وألفاظه قوله في إحدى قصائده المنشورة في الدّيوان الشّرقي:
لقد جعل الله لكم النّجوم
لتهديكم في البرّ والبحر
وزينة تتمتّعون بها عندما تنظرون فوقكم في السّماء،فهو بذلك متأثّر بقوله تعالى: »وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهتَدوا بِهَا فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فصَّلنا الآيَاتِ لقومٍ يَعْلَمُون ».
ويقول « غوته »: »يا لحماقة البشر!عندمَا يصِرُّ كلّ منّا ععلى رأيه،وإذا الإسلام كان معناه أنّ لله التّسليم،فإنّنا أجمعين نحيا ونموت مسلمين ».
كانت هذه لمحة من لمحات حياة مفكّر وأديب وشاعر رغم أصوله الغربيّة الألمانيّة إلّا أنّ روحه المحبّة وميله المثير للدّهشة للغتنا وديننا صنعت لنفسها طريقا داخل أسوار العربيّة والقرآن لتتغلغل في ثناياها وتكشف أسرار ربّما غابت حتّى عن أذهان حاملي هذين اللّوائين.
أين نحن من كلّ هذا؟!!!..أمّة كرّمها الله بالإسلام والقرآن المنزّل بلسان عربيّ مبين…لسان أمّة إقرأ….أمّةُ محمّد..أفصح البشر وأبلغهم وأعلاهم منزلة..أصابتني غيرة علميّة شديدة…وما أسر قلبي…وفكري…أمور أُجْمِعها في الآتي:أوّلا:تطلّع « غوته » الكبير وحبّه للعلم والمعرفة إذ انصبّ على علوم وفنون عدّة وعكف على دراستها وما زادني دهشة استغلاله فترة مرضه لدراسة الفلسفة والكيمياء …
ثانيا:رغم انتمائه لأصول غربيّة كانت له نظرة عن العربيّة والإسلام والقرآن ثاقبة وساحرة وغريبة تضع العقل في الكفّ…أنّى لمفكّر غربيّ ألمانيّ بكلّ هذا؟!!!….
ثالثا:وربّما كلّ من يقرأ سيرته يدور في ذهنه نفس الأمر…هل كان غوته مسلما إلى حدّ ما؟؟؟!!…فما قاله وتَرْجَمَتْهُ يداه في مؤلّفاته ورؤاه تلك للقرآن والعربيّة…تفسّر الكثير…فما رأيكم؟…



