اتّخذ قرارك الآن وانطلق ..

بقلم : الكاتبة نجاة بلياسين.
إشراقة: »إنّ توَقُّعاتِنا هي من تصنع واقِعنا،فقط إذا حلمنا،وأردنا أن يكون لنا شيء،فسنكون كما نريد أن نكون « .
…إنّ الحياة في دروبِها الطّويلة تسلُك بنا مسالِكًا عديدة،منها ما يُضحِكنا،ومنها ما يُبكينا…بعضٌ منها يُسعدنا،وبعض آخرُ يُحزِننا…وما بين كلِّ معنى وعكسِه،هناك درسٌ نتعلّمه،وربّما دروسٌ أكبر..وكلّ حسب ثقتِه،وإصرارِه وكفاحه،واستعدادِه ليُقدِّم الأفضل دائما . هناك من يكسر حواجز الخوف واليأس والفشل..ليحلّق في سماء الإرادة والمحاولة من جديد ليصل…وهناك من يظلّ قابعا خلف ستار الضّعف والاستكانة يندب حظّه العثر..بلوم أشخاص أو ظروف..أو…
.هناك من يحظى بالفرص..وهناك من يصنعها…ويجعل نفسه تاريخا كُتِب بخطوطٍ لامعة،لتكون نورًا أضاءَ عتْمةَ من استبدّت به ظُلُمات المصاعب والنّوائب..وغيثًا سقى قلوبًا بعدما كبّلها قيد اليأسِ والقنُوط..وأملا أحيا نُفوسا ضاجِرة كليلة بعد أفولِ الإرادة والعزيمة فيها…فهؤلاء لم يُخلَقوا عُظمَاءَ في الحياه..لكنّهم صنعوا العظمة..لأنّهم قرّروا ذات يوم أن يكونوا..فكانوا كما أرادوا..صبَروا،كافَحوا،تحدَّوا..آمنوا بأنّه لا شيء مستحيل أمام إرادتِهم وإصرارِهم..وضعوا كلّ تركيزِهم على أهدافِهم،فلم يلوموا ذواتَهم أو شخصًا ما..أو شيئا حتّى..فقط آمنوا وجاهدوا ووضعوا آمالهم وأهدافهم قيد الفعل وتحمّلوا المسؤوليّة كاملة.. وإليكم قصّة الطّفلة « نورما رادولف »..والّتي مرِضت بعد وِلادتِها بأربع سنواتٍ بحمّى وسخونة شديدة أدّت إلى إصابتِها بشلل نصفيّ،فقرّر الأطبّاء أن يضعوا حول أرجلها مدعّمات من الحديد.
في يوم سألتها أمّها : »نورما،ماهو حُلْمك في الحياة؟ » ،فردّت ويلما بسرعة وقالت: »أريد أن أكون أسرع امرأةٍ في العالم!! »،فقالت الأمّ : »باعتِقادك واصرارِك ستصلين إن شاء الله لما تريدين ».
مرّت الأيّام وكبُرت نورما وأصبح عمرها أحد عشر عاما استطاعت خلالها أن تدرّب نفسها على المشيِ بدون الحديد فقرّر الأطبّاء إزالته وهم في دهشة تامّة.
وعندما أصبح عمرها ثلاثة عشر عاما انتقلت مع عائلتِها إلى مدينة تيناسي في الولايات المتّحِدة الأمريكيّة والتحقت بمدرسة بها نشاطات رياضيّة وخاصّة الجري. قابلت والدة نورما المدرّب المختصّ وطلبت منه أن يقبل نورما وبالفعل قبِلَ كلامَها وقابل نورما وسألها: »لماذا اخترت سباق الجري بالتّحديد؟ »،فقالت: »لأنّني قرّرت أن أكون أسرع امرأة في العالم! »،نظر إليها المدرّب بدهشة وكان يعتقد أنّها تمزح معه،ولكنّه رأى إصرارا وقوّة في عينيها لم يرهم من قبل،فقال لها : »عندي إحساس شخصيّ في أنّك ستحقّقين حلْمك ».ثمّ أضاف : »ولكن لكي تصلي إلى تحقيق حلمك يجب عليك أن تقرّري ذلك من الآن،ويكون عندك رغبة مشتعلة وأيضا تأخذي المسؤوليّة كاملة في كلّ شيء وفي كلّ النّتائج ».فقالت نورما : »القرار أخذته وأنا عندي أربع سنوات والرّغبة المشتعلة الّتي تتكلّم عنها هي الّتي جعلتني ألتحق بهذه المدرسة على وجه الخصوص،أمّا عن المسؤوليّة التّامة فأنا على
استعداد تامٍّ لتحمّلها ».فقال المدرّب : »هذا يعني التّدريب التّدريب لساعات طويلة وكلَّ يوم ».فقالت نورما : »أنا على أتمّ الاستعداد »،ثمّ سألته : »بعد أن أجبتُ على كلّ أسئلتك،متى نبدأ؟ ».ضحِك المدرِّب وقال: »من الآن لو أردتِ ».
بدأت نورما التّدريبات الذّهنيّة والجسمانيّة فكانت تتدرّب يوميّا لمدّة لا تقلّ عن ثلاث ساعات،وبعد ستّة أشهر من التّدريب المستمرّ قال المدرّب لنورما: »ما رأيك أن تشتركي في إحدى البطولات لكي تكتسبي خِبْرات أكبر وتتعلّمي من اللّاعبات العالميّات؟ »فرِحت نورما ووافقت على الفور ،والتحقت بالبطولة وخسرت خسارة فادحة حيث كان ترتيبها الأخير!لم تحزن نورما ولكنّها كانت سعيدة جدّا لمجرّد الالتحاق.واستمرّت نورما على التّدريبات والمشاركة في البطولات حتّى اكتسبت خبرة واسعة وأصبحت تنافس اللّاعبات المحترفات.
وفي عام 1960 م فازت نورما رادولف بسباق المائة متر والمائتين متر والثلاثمائة متر،وحطّمت الأرقام العالميّة وأصبحت أسرع امرأة في العالم!.
أصبحت نورما رادولف أسطورة يتكلّم عنها النّاس،ويكتب فيها الكتّاب وتستضيفها وسائل الإعلام المختلفة حول العالم حتّى إنّ شركة أمريكان أكسبريس استخدمتها في تقديم إحدى خدماتها.وأيضا وُضِع اسمها في كتاب الجينيس مع العظماء والموهوبين.
هذه هي قصّة نورما…وأشدّ ما لفت انتباهي وأثار اعجابي..إجاباتُها في كلّ مرّة…لمّا سألتها والدتها..عن حلْمها..قالت : »أريد أن أكون…. »..،لمّا سألها المدرّب : »لما اخترت سباق الجري…. »قالت : »لأننّي قرّرت… »..أيّ إصرار هذا !! ،وأيّة عزيمة !!…رغبة مشتعلة وقرار لا رجعة فيه واستعداد تامّ..وتحمّل للمسؤوليّة…نقلها من الشّلل إلى أسرع امرأةٍ في العالم،فإذن علينا أن نعتبر من هذه القصّة العظيمة من امرأة عظيمة …فغيرنا ممّن حقّقوا هذه العظمة..ومنهم « نورما رادولف » قد حُرِموا من أقدس نعم الحياة،كنعمة البصر..والمشي..وغيرها..وما نعانيه نحن ماهو إلّا جزء يسير مقارنة بهم،ورغم ذلك حقّقوا ما عجِزت عنه الأجساد السّليمة.